حسن الأمين
152
مستدركات أعيان الشيعة
وصار له بين كبار المشايخ وزعماء المذهب من مشايخه وغيرهم مكان رفيع واحترام ، وقد كتب على عهد معظم أساتذته في الفقه الاستدلالي في غاية البسط والدقة ، مما يكشف عن علو كعبه ورسوخ قدمه ، وكتب في الرجال والحديث مواضيع تدل على براعته الفائقة وخبرته الواسعة في هذا العلم الذي هو الدعامة الأولى للاجتهاد والباب الوحيد للاستنباط . عرفت المترجم له في النجف الأشرف في سنة 1314 ه . بعد هجرتي إليها من طهران بعام واحد ، وذلك عندما انخرطت في زمرة تلامذة الشيخ ميرزا حسين النوري فقد كنا عرفناه في سامراء قبل هجرته إلى النجف ، وانضم إلينا بعد سنوات الشيخ عباس القمي وكان المترجم له هو الوسيط في تلك الصلة فهو الذي دله عليه وعرفه به . وبقينا نحن الثلاثة أوثق صلة به وأشد ملازمة له واقتباسا منه وعلقة به حتى اختار الله له دار إقامته ، وظلت حلقات دروس المشايخ في النجف تجمعنا ، وحوزات الأبحاث والمذاكرة تضمنا ، والصلة تتوثق بمرور الزمن والعلقة تزداد إلى أن انتقلت إلى سامراء على أثر وفاة شيخنا المحقق الخراساني في سنة 1329 هللالتحاق بمعهد الشيخ محمد تقي الشيرازي وحضور درسه ، فكان المترجم له يكثر التردد لزيارة العسكريين ع ويحل في بيتنا ويطول مكثه غالبا ، ويحضر خلال تلك المدة بحث بعض مدرسينا ، وكان كثير المذاكرة والمناقشة في المسائل العلمية دائم الاشتغال في التأليف والمراجعة ونحوها ، فكان لا يفتر عن التأليف حتى في السفر ، فقد فرغ من بعض آثاره في النجف ومن بعضها في مسجد الكوفة وهو معتكف ، وفرغ من بعضها في الكاظمية أو سامراء ، ومن بعضها في المدينة أو مكة أيام تشرفه إلى حج البيت . عرف المترجم له بالورع والتقى والزهد في حطام الدنيا منذ نعومة أظفاره وكان سالكا طريق النجاة ، دائم الاشتغال بمجاهدة النفس ، والمراقبة ، لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يستعمل كل ما يجلب من بلاد غير المسلمين حتى القرطاس والمداد ويترك المشتبهات ، ويزهد في كثير من المباحات ، ويعمد غالبا إلى اجتناب الأطعمة اللذيذة ، والألبسة الجيدة ، والأفرشة الوثيرة ، فكان يأكل الجشب ويلبس الخشن ، ويفترش ما يصنع من سعف النخل ، أما في المساجد والأماكن التي يحرز طهارتها فطالما افترش عباءته وجلس عليها تواضعا ، وكان لا يعتني بمظهره ولا يهتم بخياطة ملابسه ولونها مما يجعل شكله أشبه بالفقراء والغرباء وأعراب البوادي ، فقد كان يعمد إلى ذلك مخالفة للنفس وتواضعا لله وعباده ، وبغضا للظهور ، مع المحافظة على الآداب الشرعية ، فقد كان مواظبا على نظافة جسمه وملابسه على بساطتها فهو نظيف الملبس طاهر الثياب . وقد كان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، لا يعرف المجاملة والمداهنة فيما يعود إلى الدين ، ولا يشتري رضا المخلوق بسخط الخالق مطلقا ، أما الغيبة بل الحديث في غير ما يصلح شؤون الآخرة فلم يعرفها طيلة عمره ، ولم تسمع منه ، فان نطق بين الناس فلا يعدو حديث العلم ونحوه مما لا علاقة له بشؤون الدنيا ، وان اختلى واعتزل اشتغل بالتأليف أو قراءة القرآن والذكر ، أو التفكر في ماله . وقد اشتهر في ذلك بين الخواص والعوام واتفقت كلمة أهل العلم والدين من العرب والفرس وسائر طبقات النجف على أنه أورع وأتقى وأعدل علماء عصره ، حتى لم يوجد بين الناس من يشك في ذلك أو يناقش فيه ، وقد لقب بالزاهد فكان يعرف بذلك بين بعض الناس . وكان يقيم الجماعة في مسجد الهندي فتاتم به الجموع الغفيرة ويتسابق إلى درك صلاته صفوة العلماء وأهل الفضل ، ونخبة الصلحاء والمعروفين بالتقوى والنسك والعبادة ، وقد غطت شهرته بالزهد والصلاح مكانته العلمية ومقامه الشامخ في الفقه والاجتهاد ، والمؤسف أن هذا الظن قد تسرب إلى بعض الأفاضل من الأعلام وتحول إلى اعتقاد عند البعض الآخر ، ومرجعه سكوته الطويل وعدم حبه للظهور والادعاء أو الدعوة إلى النفس فقد كان قليل الكلام جدا يجيب على قدر السؤال متى سئل ، ولا يبدأ جليسه بالكلام مطلقا في الأمور الخاصة فضلا عن الخوض في الأحاديث العامة ، ونشا بين أهل العلم جيل لم يسمع عنه غير الزهد فظنه كل ما يزين الرجل ، وقد عشنا معه السنين الطوال وعرفنا مكانته جيدا . وكان شديد الصبر إلى حد لم يألفه أهل هذا الزمان ، فقد توفي ولده في النجف فلم يجزع ، ولما عاد من دفنه وصله خبر وفاة ابنه الآخر في إيران فخر ساجدا لله ، وكان مجلس الفاتحة للاثنين ، وكان يشكر الله على ما يصيبه من بلاء فيعتقد بأنه اختبار للعبد وتمحيص لذنوبه كما هو مفاد جملة من الأحاديث الشريفة ، وقد شهد بذلك الجميع في مرضه الذي توفي فيه فقد أصيب في المجاري البولية ، وأجريت له عملية لم تجده وصنع له مجرى بول من خاصرته ، وذهبوا به إلى إيران غير مرة فلم ينفعه علاج وظل أسير المرض ورهن المنزل نحو عشر سنين ، وكان يزوره الأعلام والأخيار والمحبون وسائر المؤمنين ، فلم يسمع منه أحد من زائريه أو ممرضيه من أهل البيت خلال تلك السنين وهو في حالة يرثى لها ، كلمة تشم منها رائحة الجزع أو السام ، أو الشكوى مطلقا ، بل كان لسانه يلهج بالحمد والشكر والرضا بأمر الله وقضائه وقدره ، إلى أن اختار الله له دار الإقامة بعد العشاء ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من جمادى الثانية سنة 1371 . وبرهنت الهيئات العلمية وأهل النجف على اختلاف طبقاتهم عن مدى الفجيعة ببقية السلف الصالح فلبست عليه الحداد وحملته على الرؤس وأغلقت له الأسواق وعطلت الدروس ، ودفن في مقبرة نظيره في العلم والتقى الشيخ نصر الله الحويزي المتوفى سنة 1346 في مقبرته الخاصة مقابل مقبرة صاحب ( الجواهر ) في محلة العمارة حسب وصية الحويزي فقد كان أوصى ولده الشيخ محمد طه بدفن القمي معه في داره ، ونفذت الوصية كذلك ، وكانت بين القمي والحويزي علاقة وثيقة وثقة متبادلة وإخاء في الله تعالى ، فقد غسل المترجم له المرحوم الحويزي بيده وكفنه وصلى عليه وألحده في قبره ودفن أخيرا معه . وقد أقيمت له الفواتح العديدة في النجف وغيرها من مدن العراق وإيران وباقي البلدان الإسلامية ، من قبل العلماء والهيئات وباقي الطبقات واستمرت مدة طويلة ، ورثاه بعضهم وأرخ وفاته السيد محمد حسن آل الطالقاني بقوله : راع ذوي الفضل مصاب به هز عمود الدين هولا فمال وأظلم الكون على فقد من نموذجا قد كان بين الرجال والناس ضجت لمصاب له هدت من الحزن رواسي الجبال والكل منهم قد غدا سائلا : وليس ثم من يجيب السؤال هل فقد الدين عميدا له ؟ أرخ أجل وغاب بدر الكمال ترك مؤلفات قيمة منها : ( تنوير المرآة ) في شرح أسانيد الكافي وبيان أحوال الرجال المذكورين في سند أحاديثه على ما أورده العلامة المجلسي في ( مرآة العقول ) رأيت منه مجلدا بخطه قبل سنين طويلة ، وكان قد وصل إلى باب الكفاف من أصول الكافي ، ومشغولا بإتمامه وخرج منه بعد ذلك كراريس وقفت عليها بعد وفاته ولم يوفق لإتمامه ، و ( سراج المبتدي ) في شرح ( بداية الهداية ) للشيخ الحر العاملي ، رأيت عنده بخطه قطعة منه من أول التجارة إلى أحكام الرضاع متفرقة فرغ منها في سنة 1343 ثم أتم مبيضته في التاريخ إلى آخر الديات ، وخرج منه من أبواب العبادات كراريس